01/05/2012

الكفر بالدولة

بداخل كل إنسان إحتياج سايكولوجي للمطلق/ الإله/ الذي ليس كمثله شئ. وبعد “موت الإله” في الفلسفات الحداثية، ووفقاً للقانوني الفيزيقي الذي لا يعترف بالفراغ، تحتم على فلاسفة المادية خلق إله جديد، له الحمد في الأولى والآخره. فكانت فكرة “الدولة القومية” (البديل الفيزيقي للإله الميتافيزيقي). الدولة ككيان منفصل عن الإنسان، الأولوية فيه للمؤسسية، أو الشركاتية، أو حتى الفردية المبنية على قطيعة إبستمولوجية/ معرفية بين الإنسان وماضيه.

وبه، ظهرت ثنائية جديدة المواطن/ الدولة كإحلال لثنائية الإله/ العبد، حيث المواطن هو الشخص الذي يدفع الضرائب، والدولة هي الكيان الذي يحتكر العنف. الإنسان لم يعد خليفة الله فالإرض، وإنما شخص خاضع لطبقات جيولوجيه إلهيه بعضها فوق بعض (قسم/ حي/ محافظة/ فيدرالية/ جمهورية ..إلخ.)

وبالعوده للتاريخ الإسلامي، نجد أن حضارتنا لم تبنها “حكومة/ بيروقراطية” وإنما “أمة/ شعب”. الدولة هي تجلي للتعاقدية Contraction، مثلها مثل الشركات المتعدية الجنسيات. ولأن الدولة كيان يقوم على احتكار العنف، فالعنف حتمية، ومخازن السلاح ضرورة، وتجار السلاح قضية أمن قومي، وكأن نظرية “الدولة” هي نتيجة مؤتمر تم عقده، منذ قرنين، بين زعماء مافيا السلاح في ميلانو بإيطاليا ..!

والحقيقة أن “المواطنة” أحد تجليات الدولة، فكرة مقرفة فهي تقوم لا على المساواة، وإنما على التسوية، (المواطن هو الشخص الذي يدفع الضرائب، ويؤدي الخدمة العسكرية !). ونتيجة لذلك يقضي قليلو الحظ من التعليم فترات أطول في الجندية، لأن تعليمهم لن يدر مالاً كثيراً على الدولة، وبه فعلى الدولة أن تقطف زهرة شبابه لخدمة جوهر نشؤها (العنف)، وربما يكون هذا القليل الحظ علمياً، يجيد الرسم أفضل من بيكاسوا، والغناء أحسن من جون لينون.

ينبغي الكفر بالدولة، حتى ينتهي السلاح.

(كلمتي في مؤتمر، شباب من أجل عالم خالي من التسلح النووي.)

محمد الدخاخني
Dakhakni@Gmail.com

30/04/2012

مستقبليات بشأن اقتصاد الجيش

تثور تساؤلات كثيرة حول مستقبل الاقتصاد المصري في خضم دوامة الإنحدار الناجم عن التضخم والعجز، والركود والتراجع، وتنامي الدين العام، لا سيما الدين الخارجي، وما يصاحب كل هذا من ألم اجتماعي، واضطراب سياسي، وهبوط مخيف في مستويات الطموح. أحد تلك الأسئلة حول الدور الاقتصادي للقوات المسلحة المصرية، التي تمتلك ما يتجاوز 25% من كعكة الاقتصاد المصري، والتي تحدَّث – منذ فترة قريبه – أحد قياداتها، اللواء محمود نصر- مساعد وزير الدفاع للشئون المالية والمحاسبية، بأن “القوات المسلحة ستقاتل من أجل مشروعاتها الاقتصادية؛ لإنها عرق الجيش”.

يبدو لنا أنه ثمة أربعة سيناريوهات لمستقبل اقتصاد القوات المسلحة الغير متعلق بالتسليح والتدريب العسكري، أي ذلك المرتبط بالعقارات والأراضي، وشركات المقاولة، والمصانع التي تقوم على عمل أشياء كثيرة بدءاً من المياة المعدنية والأرز والمعكرونة وحتى تجميع السيارات.

أولاً، يتصور البعض أن المشكلة تتعلق بالرقابة على تلك المشاريع الاقتصادية، إذ لا يخضع “عرق الجيش” لأي شكل من أشكال الرقابة المالية أو القانونية، سواء من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات المنوط به، بحسب القانون رقم 144 لسنة 1988 المعدل بالقانون رقم 157 لسنة 1998، الرقابة المالية والمحاسبية ومتابعة المخالفات المالية، في سبيل الحفاظ على المال العام، أو من خلال مجلس الشعب الذي – بجانب دوره التشريعي – له حق مراقبة الحكومة (وزير الدفاع، ووزير الإنتاج الحربي من أعضاءها) ومحاسبتها وسحب الثقة منها أو من أحد أعضائها. فضلاً عن كون منتجات أو خدمات أو أموال تلك المشوعات معفاة من الجمارك والضرائب، وفقاً للقانون. وبه، فهذا الطرح يقبل بالدور الاقتصادي للقوات المسلحة، مع عدم قبوله بأية تجاوزات إدارية أو مالية أثناء إدارة تلك المشاريع، كما يطالب بشفافية ووضوح في المعلومات التي تعلق بها.

ثانياً، يبدو لآخرين أن المشكلة ليست في كون تلك المشاريع تدر الربح على طبقة محددة في أعلى السلم العسكري، أو أن بها عواراً رقابياً وحسب، وإنما الأزمة إدارية أيضاً، فمصانع وشركات القوات المسلحة تخسر حين تُخرج خدماتها ومنتجاتها إلى السوق (وهي مجبرة على ذلك لأن نصف خدماتها ومنتجاتها، تقريبا، موجهة للمدنيين)، بسبب ضعف قدرتها على المنافسة. ونتيجة لذلك، فإن الأمر يستلزم إدماج تلك المشاريع – الموجهة للمدنيين- في القطاع العام، حتى تتوفر لها كوادر إدارية متفرغة لقيادتها وإدارتها بشكل فعال ومنتج، وهو ما سينعش القطاع العام ويعود عليه بشكل جيد وفعال، بالإضافة إلى أنه سيوفر وظائف وفرص عمل للعديد من المتعطلين، مقابل أجور عادلة مقارنة بالاستعباد الحاصل تحت إدارة الجنرالات لتلك المشاريع. هذا مع ترك بعض هذه المصانع للمؤسسة العسكرية؛ لتوفير الاحتياجات الأساسية للجيش، بما يمتعه بالاكتفاء الذاتي لا الخضوع لمعايير السوق وتقلباته. (وهو الاقتراح الذي يراه كاتب هذه السطور).

ثالثاً، الذين يميلون لاقتصاد السوق الحر والقطاع الخاص يرون ضرورة تجريد المؤسسة العسكرية من تلك الشركات والمصانع، وذلك عن طريق خصخصتها، شأنها في ذلك شأن القطاع العام، ويستندون إلى نجاح هذه التجربة في جمهورية الصين الشعبية، والعديد من جمهوريات ما بعد الاشتراكية.

أخيراً، بقاء الوضع كما هو عليه، واستمرار اقتصاد الجيش كأحد ألغاز العملية الاقتصادية المصرية، كما هو الوضع في الصناديق الخاصة. ويُرجح هذا الاحتمال رغبة الأغلبية البرلمانية في الابتعاد عن أي محاولات اصطدام بالمؤسسة العسكرية، تجنباً لتكرار سيناريو مارس 1954، كذلك التمسك الشديد من قبل الطغمة العسكرية (ستقاتل من أجل مشروعاتها!) بالأمر.

وأخذا كل ما سبق في الاعتبار، يصبح من الصعب الحديث عن نهضة أو تنمية اقتصادية شاملة دونما تحديد موقف من اقتصاد الجيش سواء بإبقائه مع معالجة رقابية، أو بدمجه في القطاع العام، أو بتصفيته، أو بالتسليم للأمر الواقع.

محمد الدخاخني
Dakhakni@Gmail.com

13/04/2012

السوق الحرة أو الرأسماليه

يؤرَّخ لظهور علم الاقتصاد بأواخر القرن الثامن عشر الميلادي، حيث ظهر كتاب آدم سميث (1723- 1790) ” ثروة الأمم: بحث في طبيعة ثروة الأمم وأسبابها”، سنة 1776، كأول مؤلف يتحدث عن نظرية اقتصادية متكاملة. ولما كان كتاب سميث يُنظّر للرأسمالية، فيمكننا اعتبار تاريخ ظهوره وظهورها، كنظرية، واحداً. أما ظهور الرأسمالية، كواقع، فهو قديم قدم الثورة الزراعية، أو ما قبلها. وتقوم الرأسمالية بشكل رئيس على الإعتقاد بأن المصلحة العامة هي تحصيل حاصل للمصلحة الخاصة، و أن دوافع الفرد الشخصية هي حجر الزاوية للصالح العام، وأية محاولة لكبت هذه الدوافع هي بالضرورة محاولة للوقوف أمام الصالح والخير العام. والمنافسة هي أفضل وسيلة لتحقيق ذلك الصالح.

بذور هذه الرؤيه تعود إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو (384- 322 ق م)، ثم إلى عالم المنطق الإسكتلندي آدم سميث الذي أطلق عليها “اليد الخفية”، و زادها إيضاحاً وتفصيلاً في كتابه المشار إليه سلفاً، حيث يقول: ” ليس كرم الجزار أو صانع الجعة أو الخباز ما يسمح لنا بتوفير عشائنا، ولكن يرجع ذلك إلى نظرتهم إلى مصالحهم الخاصة. وعندما نطلب خدماتهم، فإننا لا نتوسل إلى إنسانيتهم بقدر ما نستحث مصالحهم الشخصية..”. ويرى سميث في كتابه “نظرية المشاعر الأخلاقية”، سنة 1759، أن الفرد كائن ذو ضمير ولديه رغبه في اكتساب احترام الآخرين، وهذه الرغبة تقيده عن القيام بأفعال ضد الصالح العام خوفاً من الرقابة الإجتماعية.

وانطلاقاً من هذه الرؤية التي تضع مكانة كبيرة للمصلحة الخاصة، يؤمن أصحاب الفكر الرأسمالي بأن الحياة الاقتصادية تكون متزنة وصحية حينما لا تتدخل الدولة فيها بما يضر هذه المصلحة الخاصة. وبناء عليه، ينبغي أن يكون السوق حراً، ولهذا عادة ما يطلق على الرأسمالية “اقتصاد السوق الحر”. فيؤمن الرأسماليون بأن دور الدولة ينبغي ألا يتعدى حفظ الحدود، وتعبيد الطرقات، وحماية العقود، والتفتيش على مدى صلاحية المنتجات المتوافرة بالسوق، وفتح الأبواب أمام المستثمريين المحليين والأجانب، بما يخضع لقاعدة “دعه يعمل، دعه يمر”.

كذلك يؤمنون بأن هناك دوراً إجتماعياً للشركات، وأنه على الدولة أن تأخذ ضرائب من الأغنياء (بما لا يعيق أو يضر بمصلحتم الخاصة) لتعطيها للفقراء. و تدَخل الدولة كطرف في العملية الاقتصادية يضر بالإثنين؛ فمثلاً إذا قامت الدولة بإنتاج سلعة ما أو توفير خدمة معينة في الوقت الذي يقوم فيه شخص ما في شركته الخاصة بإنتاج نفس المنتج، فستعد – الدولة – منافسة له مما يضره، ولأنها تمتلك السلطة والقدرة على الإنتشار فقد يودي هذا به وبشركته. فإذا قامت الدولة بإنتاج السيارات، ستقوم بدورها شركات تصنيع السيارات بإغلاق مصانعها وتسريح العمالة بها، مما يضر ليس فقط بالمصلحة الشخيصة، وإنما أيضاً بالمصلحة العامة، وقس على ذلك. لكل ذلك، أفضل طريقة لعمل السوق، من وجهة النظر الرأسمالية، هي تركه حراً، لا مركزياً (بعيداً عن أصابع الدولة)، فلا تقوم الدولة ببناء المصانع أو الشركات، ولا حتى بشراء حصص في شركات خاصة. وإذا تدخلت تقوم بذلك لصالح أصحاب رءوس الأموال.

ما ذكرناه سابقاً هو الرأسمالية، في صورتها الأولى، أو ما يطلق عليه في الأوساط الأكاديمية الاقتصادية “رؤية المدرسة التقليدية/ الكلاسكية للاقتصاد”، وهي المدرسة التي يتزعمها آدم سميث، وديفيد ريكاردو، وتوماس مالتس.

بعد مرور نحو أربع سنوات على انتهاء ما عرف بـ”الكساد الكبير Great Depression” في أمريكا، والذي بدأ بالإنهيار الضخم في أسواق “وول استريت” للأوراق المالية بنيويورك سنة 1929، ظهر، في عام 1936، كتاب “النظرية العامة للتشغيل وسعر الفائدة والنقود”، للبريطاني جون ماينرد كينز (1883- 1946). ولم يكن هذا هو الكتاب الأول لكينز فقد سبقته العديد من الكتب حول العملة والإصلاح النقدي. على كل، تؤمن النظرية الكينزية أو اقتصاد السوق الاجتماعي، بالسوق الحرة وبمنتجاتها الإستهلاكية، وتؤمن مع ذلك بدور فعال للدولة فيما يتعلق بالإحتياجات الأساسية من صحة، وتعليم، وقطاع عام يعمل كبديل متاح أمام المستهلك، ودور للحكومة في إعادة توزيع الثروة لتحقيق العدالة الإجتماعية. فالكينزية لا ترى أن دور الدولة يقتصر على حماية الحدود والعقود وفقط (كما يقول التقليديون)، كما أنها لا ترى الدولة على أنها الرأسمالي الوحيد (كما في النظرية الإشتراكية، والتي سيأتي الحديث عنها لاحقاً)، وبهذا يمكننا الحديث عن الكينزية على أنها “منزلة بين منزلتين”.

وقد أخذت سياسات الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (1882- 1945) التي عرفت بالـ New Deal أو “الإتفاق/ الصفقة الجديدة” من نظريات كينز الكثير والكثير، وكانت الكينزية دعامة رئيسة للاقتصاد الأمريكي، حتى آواخر السبعينيات من القرن المنصرم. فبتولي رونالد ريجن (1911-2004) الرئاسة في أميركا، ومارجريت ثاتشر رئاسة الوزراء في بريطانيا، و ازدهار ما يعرف بالليبرالية الجديدة، وظهور أصوات معارضة لماينرد كينز، بدء نجم الكينزية يتراجع شيئاً فشيئاً، فتم تخفيض الإنفاق الحكومي، واتبعت الحكومات المتلاحقة طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات سياسات عدم التدخل في السوق، وتمت خصخصة العديد من الخدمات والصناعات. وقد ساهم في هذا التراجع عن سياسات جون كينز أو “الرأسمالية المنضبطة”، ساهم في هذا التراجع (الذي تسمية الكاتبة الكندية ناعومي كلاين “ثورة مضادة”) العديد من العوامل السياسية، و”الأكاديمية” أيضاً.

ميلتون فريدمان (1912- 2006) أو العم ميلتي هو واحد من أكثر علماء الاقتصاد أثراً، وبغض النظر عن كون ما تركه من آثار جيداً أو سيئاً، فهو – بلا منازع – أشهر عالم إقتصاد في العقود الخمسة الأخيرة. ويُعد البعض كتابه “الرأسمالية والحرية” هو البيان الرأسمالي (مقارنة بنظيرة البيان الشيوعي). ويرى العم ميلتي الرأسمالية كنظام حياة لا كنظام اقتصادي وحسب، فالرأسمالية والحرية (العامة والخاصة) – بنظره- وجهي عمله، وقد كرس فريدمان حياته لرفض أي شئ يخالف الرأسمالية، في صورتها الأولى، فهو بالتعبير الفقهي الإسلامي يقول في كينز ما قاله مالك في الخمر، إذ يرى أن ما يطلق عليه الإشتراكية الديمقراطية ما هوإلا وهم وسراب. ففي كتابة “الرأسمالية والحرية”، وتحت عنوان “العلاقة بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية” يقول فريدمان: “ولا يشير التاريخ إلا إلى الرأسمالية فقط كشرط أساسي للحرية السياسية. ولكن من الواضح أنها ليست شرطاً كافياً؛ فإيطاليا الفاشية وأسبانيا الفاشية وألمانيا على مدى عصور مختلفة خلال السبعين عاماً الماضية، واليابان قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وروسيا القيصرية خلال العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى، جميعها مجتمعات لا يمكن وصفها بمجتمعات حرة على المستوى السياسي بأي حال. ومع ذلك، ففي كل مجتمع منها، كان القطاع الخاص هو النموذج السائد في النظام الاقتصادي. وبذا، يتضح تماماً أنه من الممكن أن يكون هناك نظم اقتصادية رأسمالية بالدرجة الأولى في ظل نظم سياسية غير حرة. حتى في تلك المجتمعات، نعم المواطنون بقدر أكبر من الحرية عن مواطني دولة شمولية حديثة كروسيا أو ألمانيا النازية، اللتين كانت فيهما الشمولية الاقتصادية مرتبطة بالشمولية السياسي”. فهو في بداية كلامه يربط ارتباطاً شرطياً بين الرأسمالية والحرية، ويرى أن الثانية ما هي إلا تحصيل حاصل للأولى، ثم يستتلي بأن إيطاليا الفاشية كانت أكثر حرية من ألمانيا النازية، ويرى أن العامل الرئيس في تحديد هذه الحرية هو الحرية الاقتصادية.

كذلك، في فصل بعنوان “الرأسمالية والتمييز العنصري”، بالكتاب نفسه، يرفض فريدمان لجان التوظيف العادل، وهي لجان منوط بها منع التوظيف على أسس غير عادلة كالتمييز على أساس الدين أو اللون أو العرق، ويرى أن هذه اللجان تعد “تدخل مباشر في حرية الأفراد، في إبرام عقود طوعية مع بعضهم البعض”. ورغم كونه شخصاً “ليبرالياً” يرفض التمييز العنصري، إلا أنه يرفض، أيضاً، أي قانون يمنع التمييز أثناء التوظيف، ويعطي مبرراً إقتصادياً رأسمالياً لرفضه هذا، فيقول: “على سبيل المثال، لنأخذ موقفاً فيه متاجر بقالة تخدم حياً يسكنه أناس لديهم مقت شديد تجاه أن يقوم موظفون زنوج على خدمتهم. لنفترض أن أحد المتاجر به وظيفة شاغرة لموظف وتصادف أن يكون أول متقدم مؤهل للوظيفة من نواح أخرى شخصاً زنجياً. ولنفترض أنه بموجب القانون أصبح المتجر ملزماً بتعيينه. ستكون نتيجة هذا الإجراء إنخفاضاً في حجم التجارة بالمتجر وفرض خسائر على مالكه. فإذا كان تفضيل المجتمع قوياً بما يكفي، قد يتسبب تعيين الزنجي في إغلاق المتجر. لذا فعندما يعين صاحب المتجر موظفين بيض بدلاً من زنوج في غياب القانون، فإنه بذلك لا يعبر عن أي تمييز أو تحيز أو ميول خاصة؛ وإنما يعبر ببساطة عن ميول المجتمع؛ فهو، إن جاز التعبير، يقدم الخدمات التي يرغب المستهلكون في شرائها.”

يرفض فريدمان التدخل الحكومى في السوق، ويدعم بقوة منقطعة النظير (إلا بين أبناءه، تلامذة مدرسة شيكاغو للإقتصاد) الرأسمالية ،ومفهوم السوق في تقليديته وراديكاليته. وللعم ميلتي أتباع كثر في العالم عامة، وفي الولايات المتحدة الأميريكية خاصة، وهم من أُطلق عليهم في الثمانينيات “الريجانيون” نسبة إلى الرئيس ريجن، وفي التسعينيات “المحافظون الجدد”، ويطلق عليهم اليوم “المحافظون” أو ” مناصرو السوق الحرة” أو “النيوليبراليون”.. أيً كان، هم أشخاص يؤمنون بأن الرأسمالية هي استثمار المال لجني أرباح، وبإلغاء القطاع العام، ومنح الحرية الكاملة للشركات، والحد الكبير للإنفاق الاجتماعي، ومناهضة فكرة إعادة توزيع الدخل لأن هذا يضر، في تصورهم، بالنمو الاقتصادي، والسبيل الأجدر هو رفع معدل نمو الناتج القومي للإرتقاء بالفقراء.

هذه المراحل والتحولات العدة التي مرت بها الرأسمالية من التقليدية السمثية (يطلقُ عليها جيمس فولتشر “رأسمالية فوضوية”)، إلى الإنضباط الكينزي، ثم إلى تقليدية فريدمانية، أكثر شراسة. كلها نقلت لأرض الواقع، فرأينا ما جعل بعض الدول تأخذ بها في شكلها الاجتماعي كالسويد ومعظم الدول الإسكندنافية، وأخرى تتبى وجهتها الفريدمانية كالولايات المتحدة، وثالثة تعيش حالات “بين بين”. كل هذا يجعلنا نؤكد أن الرأسمالية ليست متماثلة في كل مكان، وأنها كأي مفهوم له العديد من “المشتقات” والتصريفات.

محمد الدخاخني
Dakhakni@Gmail.com

13/04/2012

عمر سليمان.. قصة التعذيب بالوكالة

“التعذيب بالوكالة” جملة اسميه تتداولها العديد من كتب السياسة الدولية، وتقارير حقوق الإنسان، ومباحث القانون الجنائي والدولي، بالإضافة للكثير من المؤتمرات وورش العمل التي تناقش قضايا إنتهاكات حقوق الإنسان. وفيه تتجلى العولمة في أبشع صورها؛ حيث تتم عولمة القهر. “إذا تحتم عليك القيام بالقذارة، فلتدع غيرك يقوم بها” تلك الجملة، التي ربما وردت في فيلم “الأب الروحي God Father”، هي المنهجية التي يعمل وفقاً لها مفهوم التعذيب بالوكالة. فلماذا تقوم الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا أو فرنسا، أو أي دولة إمبريالية، بتعذيب معتقلين – يشتبه في انتمائهم لتنظيمات إرهابية أو ينتمون لها بالفعل – وهناك دول نامية/ متخلفة/ عالم ثالث تستطيع أن تقوم بالواجب على أكمل وجه؟!، لماذا يُعذَّب الناس في القُطر الأمريكي في وقت وفرت فيه العولمة التعذيب العابر للقارات؟!.

ربما لم يحظى “التعذيب بالوكالة” بنفس القدر من الشهرة الذي حظيت به إنتهاكات أخرى كجرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، والتطهير العرقي، والفصل العنصري، والإختفاء القسري. وقد يعود هذا لحداثة ظهور المفهوم، إذ لا يمكننا الحديث عن تعذيب منهجي متجاوز للحدود الجغرافية، تقوم فيه أجهزة المخابرات والقوات المسلحة بـ”تصدير” المطلوب نزع الإعترافات منهم- بأي طريقة ممكنة، إلا بالتزامن مع ما أطلق عليه “الحرب على الإرهاب”، في تسعينيات القرن المنصرم.

في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006، نشرت “الواشنطن بوست” الأمريكية أجزاء من 11 صفحة هرّبها أحد المعتقلين من محبسه. وهو الداعية الإسلامي الإيطالي، حسن مُصطفى أسامة نصر، أبو عُمر المصري، الذي تم اختطافه من شوارع مدينة ميلانو بإيطاليا من قبل عملاء للمخابرات الأمريكية والبوليس السري الإيطالي. كتب لاحقاً: “لم استوعب ما الذي كان يجري. لقد بدأوا يلكمون بطني وسائر جسمي. لقد لفوا رأسي ووجهي بشرائط عريضة. وثقبوا ثغرات قبالة فمي وعيني حتى أتمكن من التنفس”. بعد اختطافه بفتره، نُقل إلى ألمانيا عبر طائرة نقل عسكرية تحمل اسم “سبير 92″ ثم رُحل إلى مصر على متن طائرة “جولف ستريم” في 17 فيبراير/ شباط 2003، ، حيث سجن لمدة 14 شهراً، في زنزانة تفتقر إلى النور، كانت الصراصير والجرزان تزحف فيها على جسده، على حد تعبيره.

بحسب الواشنطن بوست، وبالاستناد إلى الأوراق التي هربها من محبسه، فقد “تم تعليقه بلوح حديدي حمل لقب “العروسة”، وكان يصعق بمسدسات صاعقة”. كذلك ” تم ربطه بفراش رطب على الأرض. وبينما كان أحد المستجوبين يجلس على كسري خشبي، كان مستجوبٌ آخر يضغط على كابس الكهرباء ويمد رفاصات الفراش بشحنات كهربائية”. ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، فقد تم إخضاع خصيتيه للصدمات الكهربائية. (موقع المنظمة بتاريخ 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006).

أبو عمر وأحمد عجيزة وطلعت فؤاد قاسم وأحمد أسعد إقبال، ومئات الأشخاص الذين تم ترحيلهم من جميع أنحاء العالم إلى العديد من الدول العربية، كاليمن والأردن ومصر، للخضوع لعمليات إستجواب قسري على يد ضباط محترفي تعذيب، يتصدرهم اللواء عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة المصرية السابق، ونائب الرئيس المصري السابق حسني مبارك الذي أطاحت به الإحتجاجات في 11 فبراير 2011.

سُليمان الذي أعطى تطمينات لتل أبيب قبل بدء حرب الرصاص المصبوب على غزة في نهاية 2009، والذي أنتج جهاز مخابراته – أثناء مفاوضات الصلح بين حماس وفتح في القاهرة عام 2010- وثيقة تُرغم حركة حماس على التخلي عن النضال المسلح في وجه الإحتلال الصهيوني، والذي عمل على إفشال مفاوضات مصر مع دول حوض النيل إذ – كما قال زيمباوي وزير خارجية إثيوبيا – عاملهم بقرف واستعلاء شديدين، والذي رأى فيه مبارك مخلصاً له من إحتجاجات ميدان التحرير التي اندلعت في يناير 2011، والذي عمل – بعد خلع مبارك – مستشاراً أمنياً لدى العربية السعودية، حيث أكثر دولة استبدادية على كوكب الأرض، والذي قبل ذلك كله كان حلقة الوصل بين السعودية والسودان لإجبار حكومة البشير على ترحيل أسامة بن لادن من الأراضي السودانية في تسعينيات القرن الماضي.. عمر سُليمان هذا لن نتحدث عنه !. ولكن، سنتناول، في لفتة سريعة، سليماناً آخر، لم تتعاطاه الجرائد والقنوات الإخبارية.

كما هو الحال فيما يعرف بـ”الصناديق الخاصة” التي لا يعرف أحدٌ عنها أي شئ، والتي تعد أحد ألغاز العملية الاقتصادية في مصر، فالمؤسسات العقابية التي تتم فيها عمليات التعذيب بالوكالة، هي أقبية وأوكار خاصة، لا تخضع لأي رقابة قضائية أو حقوقية، خيث يتحتم أن تتم الأمور في سرية كاملة. كذلك الأشخاص الذين يعملون على تعذيب أمثال أبي عمر أو تصفية آخرين، يحظون بقدر هائل من الكتمان والسرية.

عمر سليمان الذي ترقى في سُلم الإستخبارات العامة المصرية حتى صار رئيساً لها في 1993، تمت مهاتفته من قبل الإستخبارات الأمريكية بعد توليه لمنصبه بسنتين، وتحديداً في يونيو/ حزيران 1995. وبالعودة للتاريخ، وقَّع الرئيس الأمريكي، حينها، بيل كلينتون توجيهه لوزارة الدفاع والسي أي أيه والقوات الخاصة الذي بمقتضاه يصير لهم الحق في استجواب أي أحد يشتبه في كونه إرهابياً، كذلك ظهرت فكرة “الحرب الإستباقية” في أروقة مراكز البحث بواشطون، وهي أيدلوجيا مفادها أنه من حق الولايات المتحدة الأمريكية القيام بحرب إستباقية طالما ثمة تهديد قد يحيق للأمة الامريكية، وقد تم تطبيقها بشكل فاضح في حربي أفغانستان 2001 والعراق 2003، أيضاً، ازدهرت في ذلك الوقت أفكار النيوليبرالية الاقتصادية التي خلفت كل تلك الأزمات الاقتصادية والبيئية التي يرزح العالم تحتها هذه الأيام.

في كتابه، “الطائرة الشبح: القصة الحقيقية لبرنامج التعذيب المنظم للمخابرات الأمريكية”، يروي ستيفن جراي، الصحفي البريطاني، قصصاً كثيرة حول هؤلاء الذين قام عمر سليمان على تعذيبهم بعد تلقيه الأوامر من الاستخبارات الأمريكية: “وما إن تلقى إشارة واشنطن حتى مد رجاله مع رفاقه الأميركيين إلى كرواتيا في 13 سبتمبر/ أيلول 1995 ليخطفوا طلعت فؤاد قاسم إلى سجن أبو زعبل شرقي القاهرة، ومن ثم تصفيته هناك، ولكن بعد زيارة “ودية” إلى أقبية عمر سليمان في المخابرات العامة!”. كذلك، يروي جراي قصة تعذيب ممدوح حبيب، الذي لم يستطع عمر سليمان أخذ الإعترافات منه، فقام “بقتل زميله التركمانستاني أمام عينيه كما لو أنه يفسخ دجاجة!”. ونقلاً عن تقرير لـمنظمة “هيومان رايتس ووتش”، قال جراي، أنه في سنة 2005، صدر اعتراف من قبل السلطات المصرية باستقبال ٦٠ أو ٧٠ سجيناً علي أراضيها متهمين بالإرهاب، كما ذكر أن لديه معلومات تفيد تلقي مصر أعداداً أكبر من جنسيات أفريقية وآسيوية وعربية. [لعرض أفضل لكتاب جراي، يمكنك العودة إلى تقرير موقع “وطن” على شبكة المعلومات في أبريل 2012).

وفي مؤلفها الضخم، “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث”، تذكر نعومي كلاين، الناشطة السياسية الكندية، عشرات الإفادات من قبل أشخاص خضعوا للتعذيب والإستجواب القسري، وتمت عملية تعريضهم للكهرباء بشكل مخيف ومثير للغثيان، في مصر وغيرها من دول المنطقة العربية وأمريكا اللاتينية، ومنها حالة “أبو عمر” التي ذكرنها آنفاً. وفي كتاب “11 سبتمبر” و “مداخلات” يرصد ناعوم تشومسكي، البروفيسرور الأمريكي وأكثر إنسان مثقف على قيد الحياة، العلاقات الأمريكية العربية فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب. كما أن باسكال بونيفاس، الصحفي الفرنسي، في كتابة “الحرب العالمية الرابعة” يوضح بشكل ملفت انخراط العديد من الدول العربية، ومن بينها مصر، في عمليات من هذا النوع.

كل هذا وأكثر يجعلنا ندرك تماماً أن عمر سليمان ليس أكثر من ضابط مخابرات سادي.

محمد الدخاخني
Dakhakni@Gmail.com

09/04/2012

فاطمة نجيب

فاطمة نجيب، 23 عاماً، مصورة بالقطعة.

“لا، لن أتزوج الآن. الجامعة وبعدها الشغل ثم الزواج، أعوز راحة، أحتاج My Own Space، ارحميني!”، تلك هي النوتة السمجة التي اعتدتُ عزفها لأمي منذ تخرجت من كلية الإعلام بجامعة القاهرة. أنا أكره أمي وخالاتي وعماتي، أنا أمقت هذا الجيل. تتشدق أمي ليل نهار بأهمية التدين والحجاب، لكنها لم تقرأ قول سيدنا علىّ “ربّوا أبنائكم على غير ما تربيتم عليه، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم.”. أمي لم تتزوج عن حب، ولا تطيق أبي، وتشعر بالضجر طيلة الوقت، ومع ذلك كله تريدني أن أسلك نفس طريقها في الزواج والحياة، أي غباء هذا ياربي!. أنا لن أتزوج إلا من أحبه، ولا يمكنني أن أحدِّث شخصاً عن طعم العسل وهو لم يذقه، لذا أريح دماغي وأخبرها أنني لا أرغب في الزواج حالياً، مع شدة احتياجي له.

الزواج؟! برغم كوننا واحدة من أعلى بلاد العالم في نسب التحرش الجنسي، فضلاً عن معدلات العنوسة وتصدر مواقع البورنو والأفلام الإباحية قائمة أكثر المواقع بحثاً وتفضيلاً لدى الشعب المصري، وحالات الزواج العرفي وزنى المحارم والاغتصاب.. برغم ذلك كله، الزواج في مصر مكلف وباهظ الثمن. لقد مللت أشياء كثيرة، المزاح مع أصدقائي الذكور بالأيدي والملامسة، النظر لأرداف الرجال في الشوارع، قراءة أشعار نزار قباني المغرقة في الإباحية، مشاهدة المواقع الجنسية في منتصف الليل، سئمت تلك اللحظات المسروقة وأريد أن أتزوج، لكن على طريقتي لا وفقاً لخيالات وهواجس أمي.

أشعر بالضياع، فمنذ ثلاثة أشهر لم أمارس الجنس مع أحدهم. أنا لست شهوانية، ولا أؤمن بالفرويدية، وأكره الأشخاص الذين لا يفكرون إلا في نصفهم الأسفل. كل ما أعرفه عن نفسي أنني امرأة تحتاج لرجل. امرأة عربية بكل ما تحمل الكلمة من ضعف وهزيمة.

ولدتُ لأبٍ يعمل مدرساً للّغة العربية بمدرسة الليسيه الفرنسية، وانتميت لعائلة مسلمة محافظة تعيش في شقة، بمساحة تزيد عن مئة متر، بالسيدة زينب، أحد أحياء القاهرة القديمة. أعمل مصورة بالقطعة لدى العديد من الجرائد المحلية. خلعت الحجاب يوم تنحي الرئيس المصري المستبد حسني مبارك عن الحكم في الحادي عشر من فبراير عام 2011، وأقمت أول علاقة جنسية غير كاملة مع شاب أسمر مُلحد- من أصول مسيحية، ولا أستطيع أن أمارس الحب الجسدي بشكل تام حتى لا أفقد عذريتي، فأنا لازلت أعيش في مجتمع مصري مغرق في السطحية. أتبرع بمئة جنية شهرياً لإحدى الجمعيات الخيرية.

تعرفتُ على رامي بإحدى مقاهي وسط البلد، بين مجموعة من أصدقائي. شاب ماركسي يؤمن بأفكار فلاديمير لينيين، ترك كلية الهندسة وعمل منسقاً للبرامج بإحدى مؤسسات تنمية المجتمع، يعيش مع مجموعة من أصدقائه الروس بشقة في التوفيقية، يستمع لبوب مارلي وجوني ريبيل، يبتاع ملابسه الداخلية من شركة Guy Laroch، يغمض عينيه كثيراً وهو يمارس الجنس.
أحببته، برغم إلحاده، بشرته شديدة السمرة، شعره المجعد، فقره، جسده النحيل، مستقبله الملبد بالغيوم. لا أستطيع أن أقول أنه قد أحبني، لكنه قال لي، كثيراً، أنه يحبني. أححبت فيه النور. حين نسير في الحياة، ويأتي علينا الزمان، ويسوء حظنا، من الناس من يتغير ويتحول فيفقد نوره، ومنهم من يظل منيراً. هكذا كان رامي، منوَّر. آخر مرة مارسنا فيها ذلك الشئ الذي يدعى الجنس، أقول “الذي يدعي” لأني لا أؤمن بكلمة الجنس، ولا أعرف مصدرها، هل من التجانس أي الانسجام، وهل يكون هذا الجناس ناقصاً أحياناً كما هو في اللغة؟!. على أية حال، في تلك المرة قبَّلني، وداعبت شفتاه قفاي والجلد المصبوب على سلسلة صدري، وضغط بيديه الصغيرتين على نهدي برغبة وارتباك، بيد أنه لم يعانقني، لم يلفني بذراعيه الطويلتين. في وسط هذا التواصل الجسدي، سأستخدم تعبير التواصل لأنه أكثر منطقيه من كلمة الجنس، قلت له: “مش هقدر اعيش من غيرك، إنتَ أجمل حاجه في حياتي.”، أُخذ، ودلف ينظر إلى الأرض في خوف، وتنهد: “أنا خايف، خايف عليكي، أنا بحبك بس..”. حينها، سحبت الملاءة ووضعتها على نهدي، كما يمسك أحدهم قميص آخر، في عراك بحارة فقيرة. حينها، أيضاً، عرفت أن علاقتنا قد انتهت. لا أريد شخصاً يحبني نصف حب، يشعرني بنصف طمئنينة، يطئوني مغمض العينين يفكر بأخرى، أريد إنسان يجعلني رقم واحد في حياته، رجلاً يكوني لي وحدي.

لما كنت في الجامعة، وتحديداً في النصف الدراسي الثاني بالصف الأول، أخبرني زميل لي، اسمه عصام، أنه يحبني، أذكر أنه قال لي:

“وأنا صغير، الحقيقة أنني كنتُ صغيراً جداً بالكاد في الرابع الإبتدائي، أحببتُ فتاة تُدعى سلمى، لكني لم أستطع أن أبوح لها. لما راهقت، أُغرمت بجميلة تدعى غادة، لكني، كالعادة، كتمت مشاعري. الآن، آخاف أن أضيع الفرصة، أنا معجبٌ بكِ يا فاطمة.”

سكتُ قليلاً، ثم سألته: “ليه أنا؟ إشمعنا أنا؟!”، فقال بعلو صوت: “الحب مفيهوش ليه..؟!”. شعرتُ أنه غلبني، فألقمته بقسوة: “أنت مختلف، بس أهتمامتنا مش زي بعض، أنت بتحب تقرا وتكتب، لكن أنا.. أنا مش زيك.”، كان شديد الذكاء، ابتسم: “أحنا مختلفين عشان كده ممكن نكمل بعض، لو شبه بعض هيبقا دا ملل مش حب..!”. بعد يومين أهداني كتاباً لجبران خليل جبران، وسي دي لنصير شمه. في النهاية، أرسلتُ له صديقتي لتخبره أن كلانا يسير في طريقين متوازيين يستحيل أن يتقاطعا.

“مش عارفه ليه..؟! ليه بنجري دايماً ورا اللي محتاجنا وساينبين اللي بيحبنا؟!، ليه بنكره الكتاب الواضح وبنحب السما الغامضة، رغم إن السما دي ممكن في النهاية تغرقنا بمطرها وتقتلنا ببرقها ورعدها..؟! رامي كان باهت، وعصام حبني. تعرف يعني أيه إنسان يحبك..؟!”.

محمد الدخاخني
Dakhakni@Gmail.com

01/04/2012

خيرت الشاطر وفيلم “شرلوك هولمز”..!

أمس، في الواحد والثلاثين من شهر مارس الماضي، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين، المهندس خيرت الشاطر مرشحا لجمهورية مصر العربية، والشاطر هو نائب المرشد العام للجماعة، وعقليتها التنظيمية وعضلاتها الاقتصادية. وقد أتى هذا الإعلان بعد مناورات أعقبتها بيانات، تلتها مفاوضات بين المجلس العسكري والجماعة. فقد كان ظاهراً للعيان أنه ثمة إرهاصات صدام بين الجماعة والعسكري، حيث طالبت الأولى – ومعها البرلمان برمته- بإسقاط حكومة الجنزوري، فرفض العسكري وخرج رئيس حكومته قائلاً في خُيلاء “من أعطاني الثقة فليسحبها (!)”، ثم رأينا رئيس البرلمان غاضباً يقول: “على شعب مصر أن يعرف أن البرلمان الذي انتخبه قادرُ على سحب الثقة من الحكومة (!)”. وتلى ذلك قضية لجنة وضع الدستور، فتوارت مشكلة حكومة الجنزوري، والتي اختفت قبلها فضيحة سفر الأمريكان التابعين للمنظمات الحقوقية، وغيرها من القضايا التي سمعنا عنها ضجيجاً وعجيجاً ولم نرى له طحناً. وفي قضية لجنة الدستور، ظهر العسكري في صورة الأب الذي يقوم بلم شمل الأسرة، فرأينا رؤساء الأحزاب وقيادات سياسية عدة متحلقة حول مائدته، مصغية لحديثه [ملحوظة: ثمة من أعلن استقالته من المجلس الإستشاري أمام الناس وفي التلفاز، لكنه لايزال يمارس مهام وخدمات استشارية للسادة أعضاء المجلس العسكري!].

وخلال كل تلك الأحداث الكبيرة (مجزرة بورسعيد، المنظمات الحقوقية، حكومة الجنزوري، لجنة الدستور)، حدثت تفاصيل عدة، أهمها حصول المهندس خيرت الشاطر على عفو بمقتضاه يعاد له الحق في ممارسة كافة حقوقه المدنية والسياسية [أكد هذه المعلومة الدكتور محمد بديع في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه أمر ترشيح الشاطر للرئاسة]. استمرار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي حول قرض لسد عجز الميزانية، كما طالبت الخارجية الأمريكية بدخول البرلمان كطرف في المفاوضات، كما أعلنت عدم توقف المعونة الأمريكية عن مصر.

في فيلم “شرلوك هولمز”، وتحديداً بذلك الجزء المسحوب تواً من السينيمات، يقول سياسي تاجر: ” لا يمكنني الحديث عن مؤامرة، لكنه التقاء مصالح، وإذ تفرقنا السياسة يجمعنا الاقتصاد !”. بالاستناد إلى عبارات ذلك العجوز، في حالة وجد شخص لا يقف ضد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل والمؤسسة العسكري، وفي الوقت ذاته يعطي الجماعة مساحة لابأس بها من الكريمة، ما المانع من دعمه مرشحاً رئاسياً من قبل أمريكا والعسكري والإخوان..؟!

سيستمر دستور 1971 مع تشذيب وتزويق، وستدوم المؤسسة العسكرية بمقدراتها وحجم إمكانياتها الاقتصادية، وستُحفظ معاهدة 1979، وستبقى أمريكا هي الراعي الرسمي للجيش المصري، وسيأتي خيرت الشاطر – رجل الأعمال البراجماتي، الذي يؤمن بالسوق الحر – رئيساً لمصر. هذا أو السيناريو المصري في 1954 أو الجزائري في التسعينيات أو أن يدرك هذا الشعب أن “عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة”، رحم الله نجيب محفوظ.

محمد الدخاخني
Dakhakni@Gmail.vcom

25/02/2012

وِرد الحب

وضع الشيخ كفه اليمنى على قلبي واستتلى يقول:

بحقك يا الله، يا كلي القدرة، يا مجد السماوات، بحق موسى وعيسى ومحمد، وعلى وعصبته، و الآيات والأقطاب والموالي والملالي والمشايخ.. بحق من تسننوا وتشيعوا وتصوفوا، بحق الحب يا الله.. بحق الحب.. وبحار الحب، والدموع التي نزلت من المآقي، والظهور التي تقوست خشوعاً وخضوعاً ومسكنة، والدوائر التي رسمت على النهود، والألسنة التي تضافرت، والأجساد التي تعانقت، والقلوب التي تعلقت. بحق الموسيقى. والوتر، وفوهة الناي، وفتحة الطبلة، واسطوانة الدف، وصوت الخف ترقص به الغجريات.

بحق الرقص.. نعمتك وطريقنا للوصول إليك، بحق يمنانا لسمواتك ويسرانا لأراضينك، وجسدنا يلف مع الريح عذباً سلسبيلاً في بحار وجودك، وكعوب أرجلنا تدق دقاً سريعاً. بحق الذروة والنشوة والإشارات والعلامات. بكل هذه النعم، وبحق كل حق، وأنت الحق !

أجمع بين قلبين، وجسدين، وثغرين، ونحلة ووردة.

آمين

04/02/2012

تسقط الخدمة العسكرية في الجامعة

بيان عاجل |

أعلن أنا المدعو محمد الدخاخني أنني لن أقوم بأداء الخدمة العسكرية في الجامعة، أو تسليم نفسي للقوات المسلحة عقب الإنهاء من الدراسة، أو الترافع أمام المحاكم العسكرية أو الإشتغال بها عقب الدراسة، وذلك في حالة: بقاء المجلس العسكري أو أي عسكري على رأس السلطة في مصر، أو إعطاء صلاحيات في الدستور الجديد تخول للعسكريين حصانات تمنعهم من المساءلة.

وأدرك تماماً، وأنا في كامل قواي العقلية وكامل أهليتي القانونية، أنني بذلك أخالف صريح القانون، لكني أدرك مع ذلك كله أنهم علموني، في كلية الحقوق، أن الحقوق تقابلها واجبات، وأن العنف السلطوي يستند للشرعية الشعبية. وبناء عليه، فلن أقوم بواجبي في الإنتظام في الجيش حتى يقوم المجلس العسكري بالتخلي عن الحكم الذي هو من حق المدنيين، ولن أقوم باحترام السلطة العسكرية لأن استخدامها للعنف غير شرعي.

وأدرك أيضاً، أن كلامي هذا قد يعرضني للمساءلة القانونية تحت دعاوى مخالفة النظام العام، وقلب نظام الحكم، والخيانة العظمى، وغيرها من هذيانات !

لكني أصر على كل ما سبق، بل وأدعوا كل أبناء جيلي لذلك. هذا، وقد علموني في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، أن القانون لا يحمي المغفلين ! وبه، فقانونكم لن يحميكم !!

تسقط الخدمة العسكرية بالجامعة حتى رحيل العسكر
تسقط الخدمة العسكرية بعد الجامعة حتى رحيل العسكر
يسقط يسقط حكم العسكر

[لو مؤيد للفكرة.. انشرها في الجامعة ووسط صحابك]

01/02/2012

الإخوان باعوا الثورة أم باعتهم..؟!

ما جرى أمس أمام مجلس الشعب المصري وتحديداً الهُتافات التي قالت بسقوط البرلمان.. كل هذا أصبني بقلق وخوف شديدين. وحقيقة، يمكننا أن نكتب معلقات ودوائر معرفة حول غباء أو دهاء أو ذكاء الإخوان السياسي خلال العام الماضي، بيد أننا لا نستطيع أن نكتب ورقة واحدة نثبت فيها أن الإخوان “باعوا” الثورة..!

فصحيح أن الإخوان جلسوا مع عمر سليمان، لكن “كل” الكيانات الأخرى جلست معه أيضاً..! وصحيح أيضاً، أنهم جلسوا مع المجلس العسكري، وكذلك فعلت كل القوى السياسية. ولا ينكر أحد أن الإخوان فعلوا تجاوزات في العملية الإنتخابية، تماماً كما أن أكبر كتلة ليبرالية فعلت تجاوزات مماثله. وإذا أصرّ البعض على استخدام “الإستعلاء والإحتقار المعرفي” للشعب المصري، واتهمه بالجهل والتخلف، فهذا أيضاً ما واجهه كل اللاعبين.

على كل، حصل حزب الحرية والعدالة، القناة السياسية لجامعة الإخوان المسلمين، على أكبر هيئة برلمانية في مجلس الشعب، في الوقت الذي حصلت فيه “القوى الليبرالية” على أقل الهيئات البرلمانية. وقبل جميع اللاعبين بنتيجة الإنتخابات.

ولكن، ظهر حديث – أقل ما يوصف به أن مضحك، مضحك لدرجة تدفعك للإستلقاء على قفاك ! – حول “التوافق الوطني”.. وفيما يبدو لي، لا يوجد شئ اسمه توافق وطني ! التوافق عبارة يمكن أن تسمعها في اليونسكو أو الصالونات الثقافية أو تلك المنتديات التي تتحدث حول المشترك الإنساني أو دوائر الإلتقاء ومساحات الحوار ! أما السياسة، فهي التقاء مصالح أو تعارضها، تبادل منافع، بتعبير مصري بسيط “هات وخد”.. والحديث حول حزب سياسي يقوم بإعطاء العطايا دونما انتظار مقابل، هو حديث عن مؤسسة خيرية، وهذا أبعد ما تكون عنه الأحزاب السياسية.

كذلك – وحاول أن تجرب هذا الأمر – لا يمكنك أن تسمع عبارات توافق إلا في دول كالسودان قبل التقسيم، أو العراق بعد الإحتلال، أو لبنان التي ترزح تحت المحاصصة الطائفية. أما أي دول أخرى – فيها منافسة – فهناك أغلبية وأقلية، حكومة ومعارضة، مجموعة ربحت أصوات الناخبين (حتى ولو من خلال المزايدة والتملق والمغازلة، وهي أدوات سياسية مهمه !!) وأخرى خسرت أصواتهم (ولو استخدمت المبشرين في الدعاية الإنتخابية !). وهنا نقرر حقيقة مفادها أن الكل سرت عليه قواعد لعبة واحدة، والكل قبل بتلك القواعد، وبه.. فعلى الكل القبول بنتائجها.

التساؤل: هل الهتاف بإسقاط البرلمان يفيد الثورة..؟! لا أتصور ذلك على الإطلاق ! ففي البداية عمل المجلس العسكري على تشوية صورة الثوار، ثم يقوم الآن على تشوية صورة البرلمان.. وبهذا استخدم “حزب الكنبة” كأدة للضغط على الثوار، والثوار كأدة للضغط على البرلمان، وهو الأمر الذي يزيد من سمك الحدود الفاصلة بين الأجزاء الثلاثة (الإخوان، الثوار، الكنبة) بما يصب في مصلحة جهة واحدة فقط هي المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وبناء عليه، القول بصفقة بين الإخوان والعسكر إدعاء بأنهم باعوا الثورة، والقول بأن البرلمان سقط إدعاء بان الثورة باعت الإخوان. وكلاهما أمر خاطئ. فربما أن الإخوان لم يقولوا بالنزول في 25 و26 و27 يناير ليس لأنهم لم يكونوا ضد النظام وإنما لأن النظام كان ليستخدمهم فزاعة لإرهاب الناس والإجهاز على المتظاهرين، نعم أكثر مما حصل !. وربما لم يقولوا بالنزول في نوفمبر 2011، ليس لأنهم ارتضوا ضرب وسحل البنات، وإنما لأن المجلس العسكري كان ليستخدمهم أداة لعرقلة الدخول في العملية الإنتخابية.

والثوار لم يقفوا أمام البرلمان ليسقطوه، وإنما ليضغطوا عليه وهذا في صالحه لو كان ثمة صفقة !! فالإخوان سيستطيعوا حينها التحرر من تلك الصفقة ومشروطيتها بحجة ضغط الشارع ! علينا أن نضغط على البرلمان ولا نبيعه، وعلى البرلمان أن يقبل بضغط الشاع في حال تورطه في صفقه لأن هذا الضغط في صالحه، وعلى الثورة ألا تخلق معها حفاري قبورها !!

محمد الدخاخني
Dakhakni@gmail.com

26/01/2012

العلمانية كرؤية سياسية


الكلمة المِفتاح لتعريف مصطلح كالعلمانية أو الليبرالية أو الأصولية أو غيرها من كلمات، هي “السياق”. ونقصد بالسياق طبيعة الزمان والمكان والإنسان ونظام الحكم والعلاقات القائمة وقت استعمال المفهوم أو المصطلح. بكلمات أخرى، معرفة المحيط الذي ظهرت فيه تلك المصطلحات ودلالاتها، بكل ما تعنيه كلمة محيط من معاني[1].

وبناء عليه، الرجوع للمعاجم اللغوية أو تلك المراجع التي تبحث في أصول المصطلحات، سيعود علينا بنماذج أو قوالب جاهزه أو مصنوعة في سياق ما، وهو ما قد يقضي على البحث ويجعله أُحادياً إختزالياً قصير النظر. لذا، سنحاول توضيح دلالة مصطلح العلمانية في أشهر سياقاته، وأكثرها إستعمالاً دونما التطرق – إلا بشكل مبدئي وعابر- لبعض التخمينات فيما يتعلق بالدلالة اللغوية للمفهوم موضوع البحث.

يرى البعض أن العلمانية لغةً تعود للعِلم أي للمادة أو الفيزيقا (مقابل الميتافيزيقا/ ما وراء الطبيعة)، بينما يراها آخرون تعود للزمن أي للدنيا (مقابل اللاهوت/ الدين/ الميتولوجيا/ الآخره). وبذلك، وبالجمع بين هاتين الرؤيتين، فالعلمانية لغة هي رؤية دنيوية مادية لا تتطلع لتفسير ما وراء الطبيعة وإنما تصب عملها على الواقع الحسي المنظور المشهود الملموس. وهو ما يتجلى في نصوص علمانية كقول فلاديمير لينيين: “الحقيقة هي المادة.”، وعبارة مارجرت ثاتشر: “لا يوجد شئ اسمه مجتمع.”، ومن خلال بحثنا وجدنا أن أغلب التعريفات اللغوية للعلمانية تتأرجح بين هاتين الرؤيتين.

وبإسقاط التعريف اللغوي السابق على العملية السياسية[2]، يظهر الدين كمقابل للسياسة، ورجال الدين كمقابل لرجال السياسة، وهو ما يصل بنا للمقولة الشهيرة التي تُعرَّف بها العلمانية على أنها “فصل الدين عن السياسة”، وهي مقولة صحيحة واختزالية في آن واحد، صحيحة من حيث أنها قررت بوجود “فصل” حادث بين طرفي العلاقة، الدين والسياسة، واختزالية وغير منضبطة لأنها لا توضح دلالة كلمة “الفصل” الواردة بها. وهو ما يثير تساؤلات عده: فهل هذا الفصل يعني التصادم مع الدين أو رجال الدين (أو من يطلق عليهم هذا الاسم)، أم يعني العمل على ضمور دور الدين ورجاله ومؤسساته فيما يتعلق بالعملية السياسية، أم ضموره فيما يتعلق بالحياة كلها، أم تحييد دور الدولة فيما يتعلق بتدين أو عدم تدين المواطنيين، أم تحييد دور الدولة فيما يتعلق بالمجتمع ككل؟!.

وكما يتضح، فالعلمانية – في أحد أوجهها – رؤية تتعلق بإشكالية العلاقة بين السياسة والدين، وقد رأينا – كمحاولة للإجابة على التساؤلات السابقة – أن نقسم العلمانية لثلاثة أنواع فيما يخص العلاقة بين الدين والسياسة، وهذه التقسيمات هي: علمانية “قابلة” للدين، وعلمانية “ضامرة” للدين، وعلمانية “مُلغية” للدين.

1- العلمانية القابلة للدين: من الناحية النظرية، يقصدُ بهذا النوع فصل الدين ورجاله ومؤسساته عن الدولة وسياستها ومؤسساتها وإجراءاتها، بحيث لا يصبحان (الدين والدولة) متطابقان (نفس الرجال والمؤسسات) كما في حالة الدولة الدينية/ الثيوقراطية، وإنما متوازيان لكل منهما مساره الخاص. فالحرب يبدؤها الساسة وينهيها الساسة، والأمة مصدر السلطات وليس رجال الدين، والدولة تسمح بوجود الأديان، وتقوم على حماية المؤسسات الدينية، وتكون على مسافة واحدة منها. كما لا تلعب الدولة دوراً دينياً، فلا تقوم بفرض قيم أو وجهات نظر دينيه محدده، ولا يمنع هذا أن تكون لهذه الدول مرجعية نهائية غير مادية، كما سنرى. ويطلق على هذا النوع العلمانية الجزئية[3] أو العلمانية من فوق، أو كما نعتناها بالقابلة للدين، أي القابلة لوجوده في الحياة العامة.

واقعياً، يبرز دين الأغلبية – بل ويطغى – على سياسات الدولة ومؤسساتها. فالولايات المتحدة الأمريكية، والتي ينص دستورها على أن مجلس الشيوخ لا يحق له سن قوانيين تفرض إتباع ديناً معيناً، وبه على الدولة أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان. في هذه الدولة التي بها هذه “النصوص العلمانية”، والتي تؤخَذ مرجعاً في هذا الضرب، نجد أن دين الأغلبية يبرز فيها بشكل واضح وصريح، فكل رؤساء أمريكا بروتستانتيين عدا رئيس واحد هو جون كيدني والذي كان كاثوليكياً، وتمت عملية إغتياله في عام 1963م. كما أن الرئيس فرانكلين روزفلت (1882-1945م) كثيراً ما رفع الكتاب المقدس بيده وقال: “حل كل مشاكل أمريكا في هذا الكتاب..!”، ومن كثرة ما كان الرئيس جورج بوش يُدخل في تصريحاته عبارات دينية، سخر المعلقون السياسيون منه وقالوا: “إن بوش يستقي خطاباته السياسية من الكتاب المقدس..!”.

بل، يمتد هذا التدخل الديني لأمور أخرى كالتعليم، حيث نجد أن العديد من الولايات الأمريكية فُرض فيها تدريس “التصميم الذكي” وهي رؤية بروتستانتية إنجيلية للخلق قام عليها معهد ديسكفري (صاحب القناة الوثائقية المعروفة)، فُرض تدريسها مع نظرية “أصل الأنواع” لتشارلز داروين (1809-1882م)، رغم اعتراف أصحابها أنفسهم – معهد ديسكفري- بأنها ليست علماً.

يضاف إلى ذلك أن العديد من الدول التي يطلق عليها دولاً علمانية جزئية، نجد في دساتيرها (سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة) إشارة إلى مرجعية نهائية غير دنيوية، ففي إنجلترا الملك هو رأس الكنيسة، و أيسلندا والنرويج والدنمارك مرجعيتهم إنجيلية لوثرية، والأرجنتين وكوستاريكا مرجعيتهم كاثوليكية رومانية.

لكل ما سبق، العلمانية الجزئية أو الإجرائية أو الأمريكية أو العلمانية من فوق، هي علمانيات لا تعمل على الاصطدام مع الدين ولا تراه خصماً ولا صديقاً، وترى أن من حق رجاله الترشح لكافة المناصب السياسية طالما جاءوا بطريقة ديمقراطية، إذ هم مواطنون لهم كل حقوق المواطنة، كذلك تمنح حريات كبيرة للممارسات الدينية المختلفة.

2- العلمانية الضامرة للدين: وهنا يسمح بضمور أو خفض صوت الدين أو خنقه (لا قتله) مقابل تغول وعلو أصوات أخرى مادية غير روحانية أو أخرويه. وأشهر تجليات هذا النوع هي الجمهورية الفرنسية، حيث تسمح الدولة بوجود الدين “جوانياً”[4]، بينما تقوم بإقصائه من الحياة العامة. إذ يُمنع إدراج خانة خاصة للدين في الأوراق الرسمية، أو بروز أشكال التدين السيميائية/ المظاهرية كحجاب المسلمة وصليب المسيحية وطاقية اليهودي وغيرها في بعض الأماكن العامة كالجامعات والمدارس ودور الرعاية والسجون، تمهيداً لمنعها تماماً من الحياة العامة.

ويرى كتاب فرنسيين أن هكذا “محظورات” تصب في صالح من منعت عنهم. فإجراءات كتلك سوف تمنع كافة أشكال التمييز الديني والطائفي وترسخ بدلاً منها مبادئ السلام الإجتماعي. فمثلاً، إذا سجنت امرأة مسلمة محجبة وكانت عريفة السجن يهودية، فربما تعاملها الأخيرة بشكل فظ وغير لائق بسبب دينها، أو إذا تقدم يهودي لوظيفة شاغرة صاحبها مسيحي أرثوذكسي معاد للوبي اليهودي، فربما يُرفض هذا اليهودي – الذي ربما يكون أفضل من قد يشغل الوظيفة – لأنه يهودي وقد لا يكون متديناً أصلاً.

بيد أن تجاوز مبررات هؤلاء الكتاب، والنظر للواقع، يجعلنا ندرك أنه ثمة رغبة في ضمور أديان وثقافات محددة على حساب أخرى، وأن قضية السلام الإجتماعي تعزز من خلال أخلاقيات التسامح لا المنع والحظر. فمثلاً، ماذا نفعل مع أصحاب البشرة السوداء أو الآسيويين أو العرب، هل نقوم بطلاء أوجههم حتى يسود هذا السلام الإجتماعي المزعوم..؟!

3- العلمانية المُلغية للدين: هناك ما يعرف بالعلمانية الشاملة أو العلمانية من تحت، حيث لا تكتفي الدولة بفصل الدين عن السياسة، وإنما بفصل الدين و كل ما هو قديم عن حياة الناس الخاصة والعامة، الجوانية والبرانية. وبهذا، تقوم الدولة بعلمنة المجتمع وأفراده، لا المؤسسات وحسب. وهذا النوع من العلمانية يقف ضد الدين، ويرى فيه خصماً يجب أن يودى به. ويرى الدكتور عبد الوهاب المسيري، ومعه الدكتور جلال أمين[5] ، أنه ليس شرطاً أن تقوم الدولة بعلمنة المجتمع علمنة شاملة، وإنما قد تقوم بهذا مؤسسات أخرى كالشركات متعددة الجنسيات، بل وقد تقوم به مؤسسات دينية.

ولعل الأمثلة الأبرز لهذا النوع من العلمانية هو تركيا كمال أتاتورك (1881-1938م)، وروسيا جوزيف ستالين (1878-1953م). حيث نجد في فترة حكم أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، تضييقاً كبيراً على الممارسات الدينية الموضوعية حيث ألغي الزواج على الطريقة الإسلامية الحنفية وحل الزواج المدني بدلاً منه، وألغي رفع الأذان باللغة العربية، ومنع غطاء الرأس طبقاً للقانون. ليس هذا وحسب وإنما حظرت – أيضاً- الطقوس والمظاهر غير ذات الصلة بموضوع الدين، كالجبة والقفطان والعمامة، حيث استبدلت بالأزياء والقبعات الأوروبية.

ويعود موقف أتاتورك هذا من رغبته في إقامة قطيعة إبستمولوجية (معرفية) بين الشعب التركي وتراثة الإسلامي والعثماني، في مقابل صلة وانفتاح تجاه أوروبا والغرب.

كذلك وقف جوزيف ستالين، المؤسس الثاني للإتحاد السوفيتي، ضد الدين واستبدله بالانتماء الشيوعي، وأمر بهدم الكنائس، وحرق الأيقونات المسيحية في البيوت، واضطهد رجال الدين، وحظر طبع منشورات أو كتب تروج لأي عقيدة دينية.

وربما يرجع ذلك للتصور الماركسي الذي يرى أن “الدين هو أفيون الشعوب”، وهو الذي يمنعهم عن النهوض والوقوف ضد الظلم، وأنه ليس أكثر من وهم خلقه الناس كي يلوذوا به في حالات الظلم، بدلاً من الوقوف أمام الظلم ذاته.[6]

على كل، تثير العلمانية الملغية للدين إشكالايات حول حجم دور الدولة، وحدود تدخلها في الحياة الشخصية، ومقدار ما عليها من أدوار إجتماعية تجاه المواطنيين، ويرى البعض أن هذا النوع من العلمانية يتجلى في الدولة “الأبوية” الشمولية التي تتصور أنها تعرف مصلحة المواطن أكثر منه. ونستطيع أن نقول أنها المقابل الموضوعي للدولة الثيوقراطية (الدينية) التي يحكم فيها الإكليروس (رجال الدين)، حيث في كلتيهما تلعب الدولة دوراً أكثر من السياسة، ومراجعة التاريخ تخبرنا أن أشد الدول ثيوقراطية هي التي صارت – فيما بعد – أشدها شمولاً من الناحية العلمانية، والعكس بالعكس. وهو ما نستطيع أن نرجعة لطبيعة “الأواني المستطرقة” حيث التطرف في مكان يقود إلى تطرف يتناسب طردياً في قوته وعكسياً في إتجاهه.

ولعل هذه النقطة الأخيرة تفيدنا في فهم بواعث إنطلاق الرؤية العلمانية في أوروبا، حيث تغول دور الكنيسة وأصبحت دولة فوق الدولة مما أدى لظهور معارضة كبيرة بدءت من علماء وفلاسفة مثل كوبرنيكوس وجاليلليو، مروراً بعصور التنوير والنهضة وعلماء كجون لوك وستيورات ميل وروسو، وحتى عصر الحداثة وما بعد الحداثة والسوبر حداثة..!

———
الملاحظات الجانبية:

[1] تقول المصادر أن أول استخدام لمصطلح العلمانية ( Secular- سيكولار) كان في منتصف القرن السابع عشر إبان حرب الثلاثين عاماً سنة 1648م، وأن أول من ترجمه إلى اللغة العربية هو إلياس بقطر المصري، أحد مترجمي الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801م)، وذلك عند قيامه بتعريب المعجم الفرنسي.

[2] نتصور أن مصلح العلمانية أوسع بكثير من أن يوصف بأنه مصطلح سياسي، إذ يضم بين طياته العديد من الدلالات الإجتماعية والثقافية، لكن مقاربتنا هنا تحاول التركيز قدر الإمكان على الأبعاد السياسية للمصطلح.

[3] قام بنحت مصطلحي “العلمانية الجزئية” و”العلمانية الشاملة”، المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري (1938-2008م) في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، المكون من جزئين: النظرية والتطبيق، وكانت طبعته الأولى لدار الشروق عام 2002. ونستعمل مصلح الدكتور المسيري هنا بين عديد من المصطلحات كـ”العلمانية من فوق والعلمانية من تحت”، و”العلمانية الأمريكية والعلمانية الستالينية أو الأتاتوركية”، و”العلمانية المتقبلة للدين، والضامرة للدين، والملغية للدين”، لما رأينا من تشابه بين مضامين ودلالات تلك المفاهيم، ولم نقف وفقط عند دلالات مؤلف أستاذنا الدكتور المسيري.

[4] تعبير “الجوَّاني” و”البرَّاني” يكثر من استعملهما الدكتور المسيري، وقد نحت لهم دلالات خاصة ضمن عديد من المصطلحات التي نحتها رحمه الله. وأشهر منحوتاته الإصطلاحية: “الحوسلة” وتعني تحويل الإنسان إلى وسيلة، و”التشيؤ” وتعني تحويل الإنسان إلى شئ، و التوثن والتسلع والإنسان الإنسان والإنسان الشئ، وغيرها من المصطلحات الرائعة التي تنتشر في جميع مؤلفاته.

[5] عادة ما يطلق الدكتور جلال أمين مصطلحات العولمة والتنمية كمرادفات لكلمة العلمانية الشاملة.

[6] علينا أن نشير إلا أن هذا الموقف الماركسي من الدين، يربطه بعض الماركسيين بظروف وملابسات معينه تخص فترة ظهوره، وليس موقفاً ماركسياً مطلقاً من المنهجية الدينية وهذا بدليل كتابات ماركس الإنسانية التي تجلت في آخر حياته. وما يعضد من هذا الرأي، أن ولاء ستالين لتعاليم ماركس محل نظر لدى معظم الماركسيين.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 28 other followers