الكلمة المِفتاح لتعريف مصطلح كالعلمانية أو الليبرالية أو الأصولية أو غيرها من كلمات، هي “السياق”. ونقصد بالسياق طبيعة الزمان والمكان والإنسان ونظام الحكم والعلاقات القائمة وقت استعمال المفهوم أو المصطلح. بكلمات أخرى، معرفة المحيط الذي ظهرت فيه تلك المصطلحات ودلالاتها، بكل ما تعنيه كلمة محيط من معاني[1].
وبناء عليه، الرجوع للمعاجم اللغوية أو تلك المراجع التي تبحث في أصول المصطلحات، سيعود علينا بنماذج أو قوالب جاهزه أو مصنوعة في سياق ما، وهو ما قد يقضي على البحث ويجعله أُحادياً إختزالياً قصير النظر. لذا، سنحاول توضيح دلالة مصطلح العلمانية في أشهر سياقاته، وأكثرها إستعمالاً دونما التطرق – إلا بشكل مبدئي وعابر- لبعض التخمينات فيما يتعلق بالدلالة اللغوية للمفهوم موضوع البحث.
يرى البعض أن العلمانية لغةً تعود للعِلم أي للمادة أو الفيزيقا (مقابل الميتافيزيقا/ ما وراء الطبيعة)، بينما يراها آخرون تعود للزمن أي للدنيا (مقابل اللاهوت/ الدين/ الميتولوجيا/ الآخره). وبذلك، وبالجمع بين هاتين الرؤيتين، فالعلمانية لغة هي رؤية دنيوية مادية لا تتطلع لتفسير ما وراء الطبيعة وإنما تصب عملها على الواقع الحسي المنظور المشهود الملموس. وهو ما يتجلى في نصوص علمانية كقول فلاديمير لينيين: “الحقيقة هي المادة.”، وعبارة مارجرت ثاتشر: “لا يوجد شئ اسمه مجتمع.”، ومن خلال بحثنا وجدنا أن أغلب التعريفات اللغوية للعلمانية تتأرجح بين هاتين الرؤيتين.
وبإسقاط التعريف اللغوي السابق على العملية السياسية[2]، يظهر الدين كمقابل للسياسة، ورجال الدين كمقابل لرجال السياسة، وهو ما يصل بنا للمقولة الشهيرة التي تُعرَّف بها العلمانية على أنها “فصل الدين عن السياسة”، وهي مقولة صحيحة واختزالية في آن واحد، صحيحة من حيث أنها قررت بوجود “فصل” حادث بين طرفي العلاقة، الدين والسياسة، واختزالية وغير منضبطة لأنها لا توضح دلالة كلمة “الفصل” الواردة بها. وهو ما يثير تساؤلات عده: فهل هذا الفصل يعني التصادم مع الدين أو رجال الدين (أو من يطلق عليهم هذا الاسم)، أم يعني العمل على ضمور دور الدين ورجاله ومؤسساته فيما يتعلق بالعملية السياسية، أم ضموره فيما يتعلق بالحياة كلها، أم تحييد دور الدولة فيما يتعلق بتدين أو عدم تدين المواطنيين، أم تحييد دور الدولة فيما يتعلق بالمجتمع ككل؟!.
وكما يتضح، فالعلمانية – في أحد أوجهها – رؤية تتعلق بإشكالية العلاقة بين السياسة والدين، وقد رأينا – كمحاولة للإجابة على التساؤلات السابقة – أن نقسم العلمانية لثلاثة أنواع فيما يخص العلاقة بين الدين والسياسة، وهذه التقسيمات هي: علمانية “قابلة” للدين، وعلمانية “ضامرة” للدين، وعلمانية “مُلغية” للدين.
1- العلمانية القابلة للدين: من الناحية النظرية، يقصدُ بهذا النوع فصل الدين ورجاله ومؤسساته عن الدولة وسياستها ومؤسساتها وإجراءاتها، بحيث لا يصبحان (الدين والدولة) متطابقان (نفس الرجال والمؤسسات) كما في حالة الدولة الدينية/ الثيوقراطية، وإنما متوازيان لكل منهما مساره الخاص. فالحرب يبدؤها الساسة وينهيها الساسة، والأمة مصدر السلطات وليس رجال الدين، والدولة تسمح بوجود الأديان، وتقوم على حماية المؤسسات الدينية، وتكون على مسافة واحدة منها. كما لا تلعب الدولة دوراً دينياً، فلا تقوم بفرض قيم أو وجهات نظر دينيه محدده، ولا يمنع هذا أن تكون لهذه الدول مرجعية نهائية غير مادية، كما سنرى. ويطلق على هذا النوع العلمانية الجزئية[3] أو العلمانية من فوق، أو كما نعتناها بالقابلة للدين، أي القابلة لوجوده في الحياة العامة.
واقعياً، يبرز دين الأغلبية – بل ويطغى – على سياسات الدولة ومؤسساتها. فالولايات المتحدة الأمريكية، والتي ينص دستورها على أن مجلس الشيوخ لا يحق له سن قوانيين تفرض إتباع ديناً معيناً، وبه على الدولة أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان. في هذه الدولة التي بها هذه “النصوص العلمانية”، والتي تؤخَذ مرجعاً في هذا الضرب، نجد أن دين الأغلبية يبرز فيها بشكل واضح وصريح، فكل رؤساء أمريكا بروتستانتيين عدا رئيس واحد هو جون كيدني والذي كان كاثوليكياً، وتمت عملية إغتياله في عام 1963م. كما أن الرئيس فرانكلين روزفلت (1882-1945م) كثيراً ما رفع الكتاب المقدس بيده وقال: “حل كل مشاكل أمريكا في هذا الكتاب..!”، ومن كثرة ما كان الرئيس جورج بوش يُدخل في تصريحاته عبارات دينية، سخر المعلقون السياسيون منه وقالوا: “إن بوش يستقي خطاباته السياسية من الكتاب المقدس..!”.
بل، يمتد هذا التدخل الديني لأمور أخرى كالتعليم، حيث نجد أن العديد من الولايات الأمريكية فُرض فيها تدريس “التصميم الذكي” وهي رؤية بروتستانتية إنجيلية للخلق قام عليها معهد ديسكفري (صاحب القناة الوثائقية المعروفة)، فُرض تدريسها مع نظرية “أصل الأنواع” لتشارلز داروين (1809-1882م)، رغم اعتراف أصحابها أنفسهم – معهد ديسكفري- بأنها ليست علماً.
يضاف إلى ذلك أن العديد من الدول التي يطلق عليها دولاً علمانية جزئية، نجد في دساتيرها (سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة) إشارة إلى مرجعية نهائية غير دنيوية، ففي إنجلترا الملك هو رأس الكنيسة، و أيسلندا والنرويج والدنمارك مرجعيتهم إنجيلية لوثرية، والأرجنتين وكوستاريكا مرجعيتهم كاثوليكية رومانية.
لكل ما سبق، العلمانية الجزئية أو الإجرائية أو الأمريكية أو العلمانية من فوق، هي علمانيات لا تعمل على الاصطدام مع الدين ولا تراه خصماً ولا صديقاً، وترى أن من حق رجاله الترشح لكافة المناصب السياسية طالما جاءوا بطريقة ديمقراطية، إذ هم مواطنون لهم كل حقوق المواطنة، كذلك تمنح حريات كبيرة للممارسات الدينية المختلفة.
2- العلمانية الضامرة للدين: وهنا يسمح بضمور أو خفض صوت الدين أو خنقه (لا قتله) مقابل تغول وعلو أصوات أخرى مادية غير روحانية أو أخرويه. وأشهر تجليات هذا النوع هي الجمهورية الفرنسية، حيث تسمح الدولة بوجود الدين “جوانياً”[4]، بينما تقوم بإقصائه من الحياة العامة. إذ يُمنع إدراج خانة خاصة للدين في الأوراق الرسمية، أو بروز أشكال التدين السيميائية/ المظاهرية كحجاب المسلمة وصليب المسيحية وطاقية اليهودي وغيرها في بعض الأماكن العامة كالجامعات والمدارس ودور الرعاية والسجون، تمهيداً لمنعها تماماً من الحياة العامة.
ويرى كتاب فرنسيين أن هكذا “محظورات” تصب في صالح من منعت عنهم. فإجراءات كتلك سوف تمنع كافة أشكال التمييز الديني والطائفي وترسخ بدلاً منها مبادئ السلام الإجتماعي. فمثلاً، إذا سجنت امرأة مسلمة محجبة وكانت عريفة السجن يهودية، فربما تعاملها الأخيرة بشكل فظ وغير لائق بسبب دينها، أو إذا تقدم يهودي لوظيفة شاغرة صاحبها مسيحي أرثوذكسي معاد للوبي اليهودي، فربما يُرفض هذا اليهودي – الذي ربما يكون أفضل من قد يشغل الوظيفة – لأنه يهودي وقد لا يكون متديناً أصلاً.
بيد أن تجاوز مبررات هؤلاء الكتاب، والنظر للواقع، يجعلنا ندرك أنه ثمة رغبة في ضمور أديان وثقافات محددة على حساب أخرى، وأن قضية السلام الإجتماعي تعزز من خلال أخلاقيات التسامح لا المنع والحظر. فمثلاً، ماذا نفعل مع أصحاب البشرة السوداء أو الآسيويين أو العرب، هل نقوم بطلاء أوجههم حتى يسود هذا السلام الإجتماعي المزعوم..؟!
3- العلمانية المُلغية للدين: هناك ما يعرف بالعلمانية الشاملة أو العلمانية من تحت، حيث لا تكتفي الدولة بفصل الدين عن السياسة، وإنما بفصل الدين و كل ما هو قديم عن حياة الناس الخاصة والعامة، الجوانية والبرانية. وبهذا، تقوم الدولة بعلمنة المجتمع وأفراده، لا المؤسسات وحسب. وهذا النوع من العلمانية يقف ضد الدين، ويرى فيه خصماً يجب أن يودى به. ويرى الدكتور عبد الوهاب المسيري، ومعه الدكتور جلال أمين[5] ، أنه ليس شرطاً أن تقوم الدولة بعلمنة المجتمع علمنة شاملة، وإنما قد تقوم بهذا مؤسسات أخرى كالشركات متعددة الجنسيات، بل وقد تقوم به مؤسسات دينية.
ولعل الأمثلة الأبرز لهذا النوع من العلمانية هو تركيا كمال أتاتورك (1881-1938م)، وروسيا جوزيف ستالين (1878-1953م). حيث نجد في فترة حكم أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، تضييقاً كبيراً على الممارسات الدينية الموضوعية حيث ألغي الزواج على الطريقة الإسلامية الحنفية وحل الزواج المدني بدلاً منه، وألغي رفع الأذان باللغة العربية، ومنع غطاء الرأس طبقاً للقانون. ليس هذا وحسب وإنما حظرت – أيضاً- الطقوس والمظاهر غير ذات الصلة بموضوع الدين، كالجبة والقفطان والعمامة، حيث استبدلت بالأزياء والقبعات الأوروبية.
ويعود موقف أتاتورك هذا من رغبته في إقامة قطيعة إبستمولوجية (معرفية) بين الشعب التركي وتراثة الإسلامي والعثماني، في مقابل صلة وانفتاح تجاه أوروبا والغرب.
كذلك وقف جوزيف ستالين، المؤسس الثاني للإتحاد السوفيتي، ضد الدين واستبدله بالانتماء الشيوعي، وأمر بهدم الكنائس، وحرق الأيقونات المسيحية في البيوت، واضطهد رجال الدين، وحظر طبع منشورات أو كتب تروج لأي عقيدة دينية.
وربما يرجع ذلك للتصور الماركسي الذي يرى أن “الدين هو أفيون الشعوب”، وهو الذي يمنعهم عن النهوض والوقوف ضد الظلم، وأنه ليس أكثر من وهم خلقه الناس كي يلوذوا به في حالات الظلم، بدلاً من الوقوف أمام الظلم ذاته.[6]
على كل، تثير العلمانية الملغية للدين إشكالايات حول حجم دور الدولة، وحدود تدخلها في الحياة الشخصية، ومقدار ما عليها من أدوار إجتماعية تجاه المواطنيين، ويرى البعض أن هذا النوع من العلمانية يتجلى في الدولة “الأبوية” الشمولية التي تتصور أنها تعرف مصلحة المواطن أكثر منه. ونستطيع أن نقول أنها المقابل الموضوعي للدولة الثيوقراطية (الدينية) التي يحكم فيها الإكليروس (رجال الدين)، حيث في كلتيهما تلعب الدولة دوراً أكثر من السياسة، ومراجعة التاريخ تخبرنا أن أشد الدول ثيوقراطية هي التي صارت – فيما بعد – أشدها شمولاً من الناحية العلمانية، والعكس بالعكس. وهو ما نستطيع أن نرجعة لطبيعة “الأواني المستطرقة” حيث التطرف في مكان يقود إلى تطرف يتناسب طردياً في قوته وعكسياً في إتجاهه.
ولعل هذه النقطة الأخيرة تفيدنا في فهم بواعث إنطلاق الرؤية العلمانية في أوروبا، حيث تغول دور الكنيسة وأصبحت دولة فوق الدولة مما أدى لظهور معارضة كبيرة بدءت من علماء وفلاسفة مثل كوبرنيكوس وجاليلليو، مروراً بعصور التنوير والنهضة وعلماء كجون لوك وستيورات ميل وروسو، وحتى عصر الحداثة وما بعد الحداثة والسوبر حداثة..!
———
الملاحظات الجانبية:
[1] تقول المصادر أن أول استخدام لمصطلح العلمانية ( Secular- سيكولار) كان في منتصف القرن السابع عشر إبان حرب الثلاثين عاماً سنة 1648م، وأن أول من ترجمه إلى اللغة العربية هو إلياس بقطر المصري، أحد مترجمي الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801م)، وذلك عند قيامه بتعريب المعجم الفرنسي.
[2] نتصور أن مصلح العلمانية أوسع بكثير من أن يوصف بأنه مصطلح سياسي، إذ يضم بين طياته العديد من الدلالات الإجتماعية والثقافية، لكن مقاربتنا هنا تحاول التركيز قدر الإمكان على الأبعاد السياسية للمصطلح.
[3] قام بنحت مصطلحي “العلمانية الجزئية” و”العلمانية الشاملة”، المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري (1938-2008م) في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، المكون من جزئين: النظرية والتطبيق، وكانت طبعته الأولى لدار الشروق عام 2002. ونستعمل مصلح الدكتور المسيري هنا بين عديد من المصطلحات كـ”العلمانية من فوق والعلمانية من تحت”، و”العلمانية الأمريكية والعلمانية الستالينية أو الأتاتوركية”، و”العلمانية المتقبلة للدين، والضامرة للدين، والملغية للدين”، لما رأينا من تشابه بين مضامين ودلالات تلك المفاهيم، ولم نقف وفقط عند دلالات مؤلف أستاذنا الدكتور المسيري.
[4] تعبير “الجوَّاني” و”البرَّاني” يكثر من استعملهما الدكتور المسيري، وقد نحت لهم دلالات خاصة ضمن عديد من المصطلحات التي نحتها رحمه الله. وأشهر منحوتاته الإصطلاحية: “الحوسلة” وتعني تحويل الإنسان إلى وسيلة، و”التشيؤ” وتعني تحويل الإنسان إلى شئ، و التوثن والتسلع والإنسان الإنسان والإنسان الشئ، وغيرها من المصطلحات الرائعة التي تنتشر في جميع مؤلفاته.
[5] عادة ما يطلق الدكتور جلال أمين مصطلحات العولمة والتنمية كمرادفات لكلمة العلمانية الشاملة.
[6] علينا أن نشير إلا أن هذا الموقف الماركسي من الدين، يربطه بعض الماركسيين بظروف وملابسات معينه تخص فترة ظهوره، وليس موقفاً ماركسياً مطلقاً من المنهجية الدينية وهذا بدليل كتابات ماركس الإنسانية التي تجلت في آخر حياته. وما يعضد من هذا الرأي، أن ولاء ستالين لتعاليم ماركس محل نظر لدى معظم الماركسيين.