(1)
يتم توجيهنا الآن للأعتقاد بأن مهمة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان هي تعزيز وإقامة الديمقراطية.وهذا،فيما أرى،لا يختلف كثيراً عن إدعاء قادة الحملات الصليبية بداية القرن الحادي عشر أثناء غزوهم بلدان العالم الإسلامي بأن مهمتهم هي التبشير برسالة يسوع المسيح-عليه السلام.
مهمة الحملات الصليبية،الحقيقية،هي نهب ثروات المجتمعات الإسلامية وهي نفسها مهمة الولايات المتحدة الآن.على هذه الخلفية،ندرك أن سبب احتلال العراق لم يكن لأنه بلد قوي شرير يمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل ولمصالح أمريكا في الشرق الأوسط،كما حاولوا توجيهنا.إنما المهمة كانت الإحتفاظ بثاني أكبر إحتياطات النفط الموجودة في العالم،والإستيلاء على أحد أهم الدول الموردة للطاقة في العالم والتي بالإستيلاء عليها يتم تعزيز نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.
كما علينا أن ندرك أيضاً أن الولايات المتحدة لا تعزز الديمقراطية في أي مكان في العالم إنما وفقط تعزز مصالحها.على سبيل المثال:كولومبيا من اكثر دول العالم انتهاكاً لحقوق الإنسان،كما أنها متلقي بارز للمساعدات العسكرية الأمريكية.بل إن صدام حسين نفسه كان أحد أكبر حلفاء أمريكا في المنطقة في عهد بوش الأب،وكانت أمريكا تزوده بالمساعدات العسكرية لمحاربة إيران،كما أنها سمحت لصدام بذبح الشيعة عام 1991م لمصلحة “الإستقرار”،كذلك غضت الطرف عن قتله لآلاف الأكراد بالغاز السام.وهي أيضاً التي تدعم القمع والإستبداد في مصر والمملكة العربية السعودية لأجل مصالحها ومصالح إسرائيل.رفضها لنتائج الإنتخابات الفلسطينية التي أتت بحركة حماس عام2006م،وإخصائها الإنتخابات المصرية عام 2005م من خلال النظام المصري الحاكم بحجة أن الديمقراطية ستأتي بأعداء إسرائيل-الإسلاميين.
أشرت فيما سبق لعلاقة الدول “العظمى” مع بلدان العالم الإسلامي،وقد كانت أمريكا نموذجاً ،وهو تصور أرى أن فيه مغامرة بتعميمات لكن لابأس بذلك لأننا ناقشنا الأمر بإسهاب في مناسبات أخرى.وإنما قصدت البدء به لأبين الإشارة العامة لهذه العلائق.
(2)
ما دفعني لكتابة هذه الورقة هو سؤال يعاودني مرات ومرات:لماذا “يكرهوننا”..!؟.حديثي ليس عن حكومات وساسة ونخب ومثقفين،إنما عن الإنسان العادي.لماذا قد يكرهني الإنسان الغربي لأجل ديني!؟
تناقلت وسائل الأنباء مؤخراً خبر محاولة قتل سائق التاكسي المسلم أحمد شريف أثناء توصيلة أحد الطلبة الجامعيين في مدينة نيويورك،وكما يروي السائق فإن الراكب أخذ يسألة عن موطنه الأصلي وعن ديانته،ثم أخذ يسخر من شهر رمضان،ثم حاول طعنه عدة طعنات..وروى أصدقاء هذا الطالب أنهم دهشوا عندما سمعوا الخبر؛ذلك أن الطالب كان مشهوراً بمحاولاته لإيجاد جسور بين الأفكار والحضارات،وكان منفتحاً ومتقبلاً للرأ والرأي الآخر،كما أن عهدهم به الهدوء والإستماع والنقاش العقلاني.
أعتقد أن معانقة الحقيقة أفضل بكثير من العيش في الوهم.لماذا نقول لأنفسنا دائماً:نحن “أخيار”..!؟
بكثير من الأسف لسنا أخيار،بل إن تطرفنا لا يختلف كثيراً عن تطرف أمريكا..أوليست أمريكا تعتقد دائماً أنها على صواب!؟..واليهود،ألا يعتقد اليهود دائماً أنهم شعب الله المختار!؟.بل ولا نختلف عن النازيين،أولم يعتقد النازيون أن الآريين هم أفضل الناس على الأرض!؟…لماذا نصادر حق الآخرين في أن
يكونوا عنصريين،رغم أننا كمسلمين تغطينا العنصريه حتى آذاننا!؟
نحن أشرار!!..نحن نصفد أيدي النساء ونضعهم في حفرة ضيقة ونرميهم بالحجارة..أليس هذا ما يحدث في إيران؟،نحن نجلد الفتيات على ظهورهن لأنهن يرتدين “السونتيان”أليس هذا ما يفعله “الشباب المجاهدون”في الصومال؟،نحن من نفخخ عربات المترو بمدينة مدريد ونقتل الأطفال،أليس هذا ما تفتخر به”القاعدة” ليل نهار؟،نحن ندعوا على النصارى:”اللهم عليك بالنصارى ومن ناصرهم”أليس هذا ما يحدث على المنابر في مصر؟،نحن من نقول بأن المرأة لا تخرج من بيتها إلا لقبرها،أليس هذا ما يقوله العلماء في السعودية!!؟،نحن الأمة التي تفتخر بتشوية جسد المرأة جنسياً بدعوى أن هذا تطهير لها،أليس هذا ما يحدث في مصر!؟
لا..أنا لست متحاملاً،وأعرف أن أمريكا تمارس التعذيب في جوانتنمو وأبي غريب باسم الديمقراطية،لكننا نمارسه باسم الدين.وأعرف أن وسائل الإعلام في أمريكا واستراليا والإتحاد الأوروبي والتي يملكها “روبرت ميردوخ” تحديداً تساهم بشدة في تشوية صورة الإسلام،لكن مع هذا أعرف جيداً أن الفضائيات السلفية،أو التي يطلق عليها هذا الإسم،تساهم بشده في تشوية الإسلام عندما تقول بأن صوت المرأة عورة،والمظاهرات حرام،والسينما والأوبرا والنحت وأنه على كل إنسان لديه عود أو تشيللو أن يأتي بالمطرقة ويقسمة نصفين!!..لماذا نحاول أن نصور أكثر الرسالات رقياً على أنها رسالة تخلف محض،ولا بصيص أمل أو تقدم فيها!؟..لماذا نستحمر المسلمين باسم الإسلام!؟
كما أنني أعرف جيداً أن “هوليوود”تساهم -أحياناً-في تزييف وعي المشاهد الأمريكي،وقلت أحياناً لأن فيلم “مالكوم أكس”الذي قام بأدائه الفنان العبقري”دينيزل واشنطن”هو أفضل فيلم صور عن شخصية إسلاميه في التاريخ من حيث الإمكانيات والإعداد وأسلوب العرض.بيد أني أعرف مع هذا أن القول بأن الفن حراماً،والمحاولات التي جرت لتعطيل فيلم”الرسالة”لمصطفى العقاد،والذي خرج للنور بصعوبة..كلها أشياء لا تساهم أيضاً في إظهار الصورة الجميلة للإسلام.
(3)
دعوني أصارحكم..لماذا نرفض أن يتهم الإسلام بأنه أيدلوجية عنف،ونغضب بعنف عند تصوير الرسول محمد-صلى الله عليه وسلم-بقبعة ملآنة بالمتفجرات والصواريخ..ونحن نخرج في المظاهرات ونرفع لافتات تقول:سنقتل كل من يتهم الإسلام بالعنف!!.لماذا نرفض أن يغزونا الغرب ونحن نردد دائماً أنه علينا أن نكون أقوياء لكي نجاهد “جهاد الطلب”ونفتح البلاد ونهدي العباد!؟..لماذا نصاب بالضجر عندما يقال بأن الإسلاميين فشلة،ألا تراهم حكموا الصومال وقتلوا،وإيران واستبدوا،والسودان وزيفوا الإنتخابات!؟
لماذا نحب لون الدم؟!،لماذا نصر دائماً على أن المعيار الوحيد الذي تقاس به الشريعة هو عدد الأيدي التي قطعت والنواصي التي رجمت والظهور التي جلدت!؟..أنا أثور!كلما رأيت بن لادن أو الظواهري أو الشباب المجاهدين يعلنون مسؤليتهم عن تفجير ما..أثور لأن هؤلاء نصبوا أنفسهم وصايا عن الله في أرضه،ولم يدركوا قول الله:”ولست عليهم بمسيطر”..تعلمت من الشيخ الغزالي أنه إذا اشتغل بالدين جزار فستجده دائماً باحثاً عن ضحيه..!
نحن نريد غزو العالم باسم الدين،وأمريكا تريد غزوه باسم الديمقراطية.نحن خير أمة أخرجت للناس،واليهود شعب الله المختار.نحن حولنا كنيسة آيا صوفيا في عهد محمد الفاتح إلى مسجد،واليهود يهودون المسجد الأقصى في عهد نتنياهو..
تعلمت من كتابات الدكتور المسيري رحمه الله بأنه إذا تخلى جميع الناس عن مبادئهم فلا تتخلى عن مبادئك،وأنه إذا غير الناس رأيهم فيك فلا تغير رأيك فيهم لهوى عندك.فلنفترض أنه لا أحد في العالم لديه مبادئ،وأننا وفقط أصحاب مبادئ،فلنطبق مبادئنا ولنكن عنصريين في هذه النقطة ولو لمرة واحدة..من مبادئ الإسلام:التسامح والسلام والإحسان والعفو…أما القتال فهو أكثر الحالات شذوذا وهو ليس فرضاً إلا في حالة هجوم عدو على بلدك كما يفعل أي شعب آخر.
هل نحن “أخيار” بما يكفي لكي يحبوننا؟؟
محمد الدخاخني
